صالح حميد / عبد الرحمن ملوح

4873

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )

درجات الظّلم : قال الرّاغب : لمّا كان الظّلم ترك الحقّ الجاري مجرى النّقطة من الدّائرة صار العدول عنها إمّا قريبا وإمّا بعيدا ، فمن كان عنه ( عن الحقّ ) أبعد كان الرّجوع إليه أصعب ، ولذلك قال تعالى : وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيداً ( النساء / 60 ) تنبيها إلى أنّ الشّيطان متى أمعن بهم في البعد من الحقّ صعب عليهم حينئذ الاهتداء « 1 » . وعلى هذا فمن كان إليه ( أي إلى الحقّ ) أقرب كان الرّجوع إليه أسهل ، ومن ثمّ فليحذر الظّالم المبتدىء من التّمادي في ظلمه حتى يعطي لنفسه فرصة الرّجوع إلى الحقّ . أنواع الظّلم : قال بعض الحكماء : الظّلم ثلاثة : الأوّل : ظلم بين الإنسان وبين اللّه تعالى ، وأعظمه الكفر والشّرك والنّفاق ، ولذلك قال : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ( لقمان / 13 ) وإيّاه قصد بقوله أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ( هود / 18 ) . والثّاني : ظلم بينه وبين النّاس ، وإيّاه قصد بقوله وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ إلى قوله إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ( الشورى / 40 ) وبقوله إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ ( الشورى / 42 ) . والثّالث : ظلم بينه وبين نفسه ، وإيّاه قصد بقوله : فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ( فاطر / 32 ) وقوله ظَلَمْتُ نَفْسِي ( القصص / 16 ) . وكلّ هذه الثّلاثة في الحقيقة ظلم للنّفس ، فإنّ الإنسان في أوّل ما يهمّ بالظّلم فقد ظلم نفسه « 2 » . أنواع الظّلمة : أمّا أنواع الظّلمة فثلاثة : 1 - الظّالم الأعظم ، وهو الّذي لا يدخل تحت شريعة اللّه تعالى وإيّاه عنى بقوله إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ( لقمان / 13 ) . 2 - الظّالم الأوسط ، وهو الّذي لا يلتزم حكم السّلطان « أي فيما وضعه السّلطان من أنظمة لتيسير الحياة ولا يتعارض مع أحكام الشّرع » . 3 - الظّالم الأصغر ، وهو الّذي يتعطّل عن المكاسب والأعمال ، فيأخذ منافع النّاس ، ولا يعطيهم منفعة ، ومن خرج عن تعاطي العدل بالطّبع وبالخلق والتّخلّق والتّصنّع والرّياء والرّغبة والرّهبة . فقد انسلخ عن الإنسانيّة ، ومتى صار أهل كلّ صقع على ذلك فتهارشوا وتغالبوا وأكل قويّهم ضعيفهم ، ولم يبق فيهم أثر قبول لمن يمنعهم ويصدّهم عن الفساد فقد جرت عادة اللّه سبحانه في أمثالهم هلاكهم واستئصالهم عن آخرهم « 3 » . من يستعمل معهم الظّلم : أمّا المستعمل معهم الظّلم فخمسة : الأوّل : ( ربّ العزّة وذلك حين يشرك به ) إذ يقتضي العدل معرفة توحيده وأحكامه . الثّاني : قوى النّفس ، ويكون ذلك بعدم

--> ( 1 ) الذريعة ( 357 ) . ( 2 ) المفردات ( 315 ، 316 ) . ( 3 ) الذريعة ( 358 ) بتصرف .